أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

450

شرح مقامات الحريري

وباتت العروس بليلة شيباء ، إذا غشيها زوجها . الفنجديهي : رأيت : بخط الحريري رحمه اللّه تعالى : [ الخفيف ] طيّبوها ولم أطيّب بطيب * ربّ منع ألذّ من إعطاء بتّ في درعها وباتت ضجيعي * في بصير وليلة شيباء البصير هنا : قطعة من دم : وقد أتينا على ما في هذه المسائل من الغريب في الظاهر ، وأمّا ما قصده من المعمّى فهو مفسّر في الأصل ، وقد أحسن أبو محمد في هذه الفتاوى وبلغ منه الاقتدار والاتساع فوق المراد ، وإن كان لا يوصف فيها الابتداع ، فقد أحسن في الاتّباع . [ الملاحن والمعاريض ] والسابق إلى هذا المعنى أبو بكر بن دريد رحمه اللّه تعالى في كتاب سمّاه بالملاحن ، وهي من اللّحن ، وهو أن تورّي بلفظ عن لفظ . ثم تمم تلك الأغراض وحسّنها أحمد بن عبيد اللّه في كتاب سمّاه بالمنقذ . وفائدة حفظ هذه الأغراض أن يخوّف الرجل أو يروّعه أمير ظالم أو مسلّط غاشم ، فيتخلّص منه بهذه المعاريض . فأما أن يقطع بها حقّ مسلم فلا سبيل إليها ، ومعتمدهم فيها حديث عمران بن حصين أنّ النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، قال : « إن في المعاريض مندوحة عن الكذب » « 1 » . وفي حديث عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : « عجيب لمن يحسن المعاريض كيف يكذب ، ولمن لاحن النّاس كيف لا يعرف جوامع الكلم ! » « 2 » . وقول النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم لطلائع المشركين حين لقوه في نفر من أصحابه ، فقالوا : ممّن أنتم ؟ قالوا : من ماء ، فتركوهم ، وأراد فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ [ الطارق : 6 ] . وقوله صلّى اللّه عليه وسلم في مزاحه لإحدى عماته « إن الجنة لا تدخلها عجوز » ، فلمّا جزعت قال لها « إن اللّه تعالى يخلقهم يود القيامة أبكارا » . وقال لامرأة : « ما فعل زوجك الذي في عينيه بياض » ؟ فلمّا جزعت قال : لها : « أو ليس في كلّ عين بياض » ؟ وقال له رجل : احملني ، قال : ما عندي إلا ولد الناقة ، فقال : وما أصنع بولد الناقة ؟ فقال صلّى اللّه عليه وسلم : « وهل الإبل إلا من النّوق ! » . فاستجيزت المعاريض على هذا النحو من المزاح أو التخويف .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأدب باب 116 ، ورواه ابن الأثير الجزي في النهاية في غريب الحديث 3 / 212 . ( 2 ) رواه ابن الأثير الجزري في النهاية 3 / 212 .